Thursday, July 23, 2015

عمر الشريف: عاش غريبا ومات وحيدا


ضياء حسني

جاء خبر وفاة عمر الشريف صدمة لجميع محبيه، لتقطع تليفزيونات وإذاعات العالم البث معلنا الخبر على مشاهديها. لقد كان عمر الشريف أحد الرموز في تاريخ السينما، فقد كانت السينما تقدم رمز البطل "العاشق " عبر الأجيال لحاجة الجمهور لهذا النموذج؛ فكان هناك "رودولف فالنتينو" النموذج الأمريكي، و"موريس شفاليه"، ومن بعده "الآن ديلون" النموذجان الفرنسيان، و"مارشيلو ماستروياني"   النموذج اللاتيني، وجاء عمر الشريف ليكون النموذج الشرقي. منذ قدومه من بعيد في قلب الصحراء على هيئة سراب، في المشهد الشهير في فيلم "لورانس العرب" من اخرج ديفيد لين، لم يكف على غزو قلوب مشاهدي السينما في العالم. بدأ عمر الشريف السينما بضجة كبرى وقصة زواج ظلت تجذب أقلام المتعايشين على الكتابة عن الفن، وعاش حياة صاخبة ظلت تجذب صحف أخبار النجوم إليه (علاقاته – مقامراته – مغامراته). لم تعرف السينما المصرية فتي شاشة (بطل الفيلم) في تاريخها يجمع بين شهرته ونجوميته، وبين قدرته العالية في الأداء، فلا أنور وجدي ولا حسين صدقي ولا محسن سرحان ولا شكري سرحان ولا عماد حمدي ولا كمال الشناوي ولا أحمد مظهر ولا رمزي، كانوا ممثلين سينما كبار، وكان أحسنهم يؤدي أداء مسرحي مفتعل لا علاقة له بالسينما الحقيقية. وحتى اللذين أثبتوا بعد ذلك قدرتهم التمثيلية العالية (فريد شوقي – كمال الشناوي – يوسف وهبي) تم لهم ذلك بعد تركهم أدوار البطولة. فقد كانت السينما المصرية تحصر كبار ممثليها ذوي القدرات الخارقة في أداء للدور الثاني في افلامها، (زكي رستم، صلاح منصور، حسين رياض، محمود المليجي، توفيق الدقن .... ألخ). لم يخرج عن تلك القاعدة سوى عمر الشريف، وأخر طالما أحبه عمر وقال إنه أهم ممثل في تاريخ السينما المصرية، ويتفوق عليه هو شخصيا، وانه لوكان يعرف الإنجليزية لكان صعد للعالمية سريعا، أنه الراحل أحمد زكي. بدأ عمر الشريف ضعيف الأداء مفتعل، ذو صوت نشاز لا يصلح لأن يكون صاحبه نجم سينمائي، ولكنه طور نفسه وتألق مع شاهين في شخصية رجب في (صراع الوادي)، وكان رمزا للوطنية لكل الشباب المصري مع شخصية إبراهيم حمدي (في بيتنا رجل) للعظيم بركات، وحتى في الكوميديا مع يوسف وهبي تألق في (إشاعة حب) مع عبقري الكوميديا فطين عبد الوهاب. كان عمر الشريف هو الممثل المصري الوحيد الذي كان يمتلك القدرة في التحكم في خلجات وجهه للتعبير عن حالته النفسية، وكان يستخدم ذلك في التعبير السينمائي، ليكون بذلك أول ممثل سينمائي حقيقي في السينما المصرية. لقد كان النصف الأعلى من وجه عمر الشريف هو راس ماله، فعبر عيناه وجبهته يمكنه التعبير عن الحزن والفرح والعشق، وهو ما جعله ينفذ لقلوب عشاقه سريعا ويستقر داخلها. حصل عمر الشريف على مجموعة من الجوائز لم يحصل عليها أي ممثل في تاريخ السينما المصرية والعربية، 2 جولدن جلوب، وسيزار فرنسي، وأسد فينسيا عن مشواره الفني، ورشح للأوسكار ولكنه لم يحصل عليه.
لم يتخلى عمر الشريف يوما عن مصريته، رافضا كل المحاولات لقناعه بالحصول على جواز سفر غير جوازه المصري، ساعد مصر في كل الظروف بدأ من وساطة السادات مع مناحم بيجن رئيس وزراء إسرائيل التي من خلالها أطمئن السادات على حفل استقباله في زيارته التاريخية لتل ابيب، مرورا لبهجته لوصول مصر لكاس العالم 1990، وترويجه لمحاولة استضافة مصر لتلك البطولة، لم يتأخر عمر يوما عن إعلانه عن حب لتلك البلد وشعبها، وأيده في ثورة 25 يناير. لقد كان عمر يقول دائما أنه الممثل الوحيد في العالم الذي يعامل كغريب في كل بلدان العالم، وها هو يموت وحيدا في مصر التي أحبها، ليجد من يسأل عن ديانته التي مات عليها ناسيا انه الآن بين يدي القاهر الجبار الذي سيحاسبنا، ولا حاجة له بعد اليوم لأي متنطع يضع نفسه في مصف المانح أو المانع لصكوك غفران. وداعا عمر، وداعا إبراهيم حمدي، وحسين، ورجب صراع في الوادي، والشريف على لورانس العرب، وجيفارا، ودكتور زيفاجو، وستبقى عملاقا في قلب تاريخ الفن السابع حتى لو كره المتنطعون، فقد جاء موتك مع نهاية مصر أخرى كانت مفتوحة على العالم وثقافاته، لتحل محلها مصر مسجونة داخل قوقعة كراهية وصدفة عدوانية لكل مختلف، يسميها البعض "الهوية" وهي ليست ألا " الهاوية"، يخرجنا عز وجل منها على خير.