Friday, December 18, 2015

عندما تكون السينما مع مقاومة الاستبداد -"غيوم الأطلس" فيلم يؤيد نظرية جناح الفراشة



ضياء حسني

تعد الثقافة بالطبع في جوهرها داعمة للحريات، سواء كانت الحريات الشخصية أو الحريات العامة، وهي بالتأكيد أكبر داعم لحرية التعبير وحرية الرأي. لكن هناك أيضا الكثير من الثقافات والفلسفات والأفكار، في جوهرها عنصرية وإقصائية ومعادية للأخر، ولا تسمح له بحقة الطبيعي في التعبير عن نفسه وعن أماله وطموحاته. قد يكون هذا الاقصاء باسم العرق أو الدين أو الجنس. كما أن هناك "ثقافات" أو "معتقدات" معادية للثقافة معادية للفكر، حيث تعتقد أن كل ما يحتاجه العالم موجود فيما تبثه وتنشره، وبالتالي فأن الثقافة بتنويعتها المختلفة؛ من شعر وموسيقى وفكر وأدب وسينما ومسرح، محرمة لأنها موجودة لتزيف وعي البشر وأبعادهم عن الهدف الأساسي الذي خلقوا له. تلك الثقافة لا تعنينا لأننا لسنا في مجال الجدل معها، فهي تريد محو الثقافة بكافة أنواعها وأشكالها، وأزالتها من الوجود، وهي لا تستطيع بالطبع تنفيذ هذا لأن الثقافة والفن لا يمكن قتلهم، فمن الممكن حرق الكتب كما فعلت النازية، ومن قبلها حرقت كتب أبن رشد، لكن ذلك لم يمنع حركة الفكر من التقدم والنمو والازدهار، لذا فأن تلك المعتقدات والتيارات المعادية للثقافة والإبداع الفكري تلجأ غالبا للعنف، وفي بعض الأحيان للقتل. وبما أن العنف لا يمكن الرد عليه ألا بالعنف المضاد، لذا فأن مجال الجدل الفكري والنقاش لا يجدي هنا، فأنت تكتب تسجن، تبدع تقتل، وهذا ليس مجالنا ولا تخصصنا، ونحمد ألله أننا لسنا مضطرين لتعلمه وممارسته.
كما أن هناك تعبير مجازي يتم تداوله بكثرة، يطلق عليه "ثقافة اليأس"، أي تلك الابداعات التي تبث فلسفة "اللا جدوى"، وأن أي مجهود لمقاومة السائد لا يجلب على صاحبه سوى الندم والحسرة، بالطبع لا يدرك أصحاب هذه الفلسفة أن تطور البشرية يناقض فلسفاتهم، التي لو كانت حقيقية لكنا مازلنا في عصور العبودية، أو صكوك الغفران الكنسية، أو حتى مازلنا في فترة القرابين البشرية. فكل تلك ممارسات حالكة تخلت عنها البشرية، في وقت كان يظن فيها البعض أنها أزلية بل والهيه. بالطبع التخلي عن تلك الممارسات لم يأتي فقط من حركة الفكر، بل أتي مصاحب للتطور الموضوعي للمجتمعات، التي كانت تلك الممارسات معوقا لها في لحظة تاريخية معينة، لكن حركة الفكر ساهمت في هذا التطور. المهم ثقافة "اللا جدوى"، لا تعترف بالفعل التراكمي، أو في الكثير من الأحوال تستنكر طول المدة الزمنية التي يحتاجها الفعل للوصول للجدوى، والتكلفة الكبرى للإتيان بأي فعل، الذي يجعل من الهدف النهائي "من وجهة نظرهم" لا يساوي مثل هذا المجهود.
نظرية "جناح الفراشة" هي واحدة من تلك النظريات المقاومة لهذه الثقافة، تلك النظرية التي كانت محل جدل كبير في مجال العلوم الطبيعية، حيث أنها كانت أصل ما يسمي "بنظرية الفوضى"، والتي تعتمد على مفهوم "السببية"، أي أن الحدث الكبير من الممكن أن يكون سببه فعل صغير مثل حركة جناح فراشة. تطرح نظرية جناح الفراشة سؤال فحواه هو، هل من الممكن أن تكون حركة جناح فراشة، سببا في قيام اعصار في جهة أخرى من العالم؟
البداية كانت مع رواية الخيال العلمي (صوت الرعد 1952) من تأليف "راي برادبري"، وقد طرحت تلك الرواية مفهوم السفر عبر الزمان، وأنه في حالة تحقق هذا فهل يمكن لشخص قادم من المستقبل أن يغير حدث في الماضي ليكون ذو تأثير على مستقبله، مهما كان صغير. يقوم بطل الرواية بقتل فراشة، وهو ما يسبب أحداث دراماتيكية بعد 60 مليون سنة في المستقبل.
في عام 1972 قام عالم الأرصاد "أدوارد لورانز" بألقاء محاضرة في (الرابطة الأمريكية لتقدم العلوم-American Association for the Advancement of Science)، تحت عنوان (استشراف: هل يمكن أن يسبب حركة جناح فراشة في البرازيل، اعصارا في تكساس؟)، المهم أن نظرية جناح الفراشة تلك، أدت إلي تطوير كبير في المفاهيم الرياضية لقياس تنبؤات عن الطقس وعشوائية حركة أسواق المال في المستقبل ( بشكل تقريبي)، بل كانت هي بداية لما يعرف (بنظرية الفوضى) في الرياضيات التي تطورت مع علماء مثل، (بيير- سيمون دلابلاس، وهنري بوان كاريه وغيرهم). الخلاصة التي تهمنا من مفهوم "جناح الفراشة" أن الأشياء الحادثة في الماضي، مهما كانت ضاءلتها، فأنها تساعد مع الزمن في تغيير وتعديل مسارات الأشياء في المستقبل.
"أطلس الغيوم" والربط بين الحاضر والماضي في البحث عن الحرية
"أطلس الغيوم" هو الفيلم السينمائي الذي ظهر في 2012 من إخراج الأخوين "أندي ولانا واكوفسكي"، مخرجي فيلم "ماتريكس" الشهير، كتب معهم السيناريو "توم تيكوير". الفيلم مأخوذ عن رواية الإنجليزي "دافيد ميتشل" والتي تحمل نفس الاسم. يتحرك الفيلم بنا بين شخوصه الموجودة في أزمنة مختلفة، تجمع بين الماضي البعيد والمستقبل المتخيل، كل هذا بغرض أثبات أن ما يحدث في الماضي هو مرتبط بما يحدث في الحاضر، وسيكون ذو تأثير على المستقبل. الفيلم يأخذ تيمة المواقف الداعمة للحرية والباحثة عن الحقيقة، من أجل كشف كل ظلم وغبن يقع على أفراد المجتمعات في العصور المختلفة. يحاول الفيلم أن يؤكد أن ما قد نظنه قد انتهي في الماضي السحيق، أو بلا تأثير، هو في الحقيقة مؤثر على     

       
على مسار حركة الأحداث عبر التاريخ، ولكي يوضح الفكرة بوضوح أكبر سعي الفيلم ان بريط بين الأحداث بأشكال مختلفة، أما عن طريق شخصيات تظهر في قصص مختلفة من قصص الفيلم، في مراحل عمرية مختلفة، أو بين علاقة بين شخصيات كل قصة من قصص الفيلم المختلفة( علاقة نسب أو صداقة)، وفي النهاية يُظهر الفيلم رقم موجود على جسم كل شخصية رئيسية من شخصيات القصص المختلفة، ليزيد التأكيد على أن الشخصيات ليست سوى مواقف من الحياة والحريات ممتدة عبر الزمن، لكن الأكثر من ذلك أن معظم القصص يتم تجسيدها بنفس الممثلين لكن باستخدام مكياج يغير من شكل كل شخصية.
يتكون الفيلم من ست قصص تدور أحداثها في أماكن مختلفة وأزمنة مختلفة، لكن شخصيات من قصص سابقة في الزمن تظهر من خلال أحداث تالية في الزمن، لتخلق تصاعد في الأحداث، وتدخلنا في علاقة سببية تراكمية تذكرنا بتأثير الفراشة.
مغامرات "أدم إيونج"
تدور الأحداث في عام 1849 في المحيط الباسيفيكي، حيث يذهب القاضي "أدم إيونج" على ظهر مركب من سان فرنسيسكو إلى هونولولو. يتعرف القاضي إيونج على العبد الإفريقي "اوتا"، الذي يسافر في السفينة بشكل سري هاربا من العبودية، ينقذ القاضي إيونج حياة "أوتا" عبر تشغيله في طاقم السفينة، حيث كان كشف هروبه السري يعرضه لحكم الإعدام. من ضمن المسافرين شخص يدعو الدكتور "د. جوس"، شديد الطمع والوضاعة، يحاول تسميم القاضي من أجل الاستيلاء على صندوق من الذهب كان ينقله معه. يعالج العبد "أوتا" القاضي وينقذ حياته، وعند الوصول يجد القاضي زوجته "تيلدا"، ليبدئا معا معركتهم من أجل تحرير العبيد. تاريخ ميلاد القاضي “أدم أيونج" يظهر في أحد المشاهد مكتوب على صدره.
مغامرات "روبرت فوربيشير"
تدور الأحداث في عام 1936 في إنجلترا، حيث شخصية "روبرت فوربيشير" «المثلي»، الذي يترك صديقه "روفوز سيكسميث" ويرحل من أجل العمل عند المؤلف الموسيقي الكبير "فيفان إيرس". تتمثل وظيفة فوربيشير في تدوين النوتة الموسيقية للموسيقار الكبير، حيث يؤلف النغمات ويقوم فوربيشير بكتابة النوتة. ينتهز فوربيشير الفرصة ويبدأ في تأليف المقطوعة الموسيقية التي طالما حلم بتأليفها، والتي تحمل أسم (أطلس الغيوم)، كما أنه في بحثه في مكتبة الموسيقار "فيفان إيرس" يعثر على كتاب يحكي مغامرة وحياة القاضي "أيونج". ذات يوم يستمع الموسيقار "فيفان إيرس" في غرفة نومه لنغمات مقطوعة "فوربيشير" وهو يقوم بعزفها ليلا فيظن أنه يحلم بتلك المقطوعة، ويحاول في الصباح تذكرها ويطالب "فوربيشير" بتدوين النغمات، ولكنه لا ينجح في تذكر كل نغمات المقطوعة. ويكتشف أن النغمات لمقطوعة يقوم فوربيشير بتأليفها، ولكنها يصر على أحقيته في نسبها لنفسه. عند اكتشاف مثلية فوربيشير من قبل الموسيقى الكبير "فيفان أيرس" يهدده بكشف سره وفضحة، أن فكر في الرحيل قبل كتابة المقطوعة التي الفها لينسبها لنفسه. في مشاجرة بينهم يصيب فوربيشير الموسيقار فيفان إيرس بطلقة من مسدسه ولكنه لا يقتله، ويهرب ويختبئ بأحد الفنادق المتواضعة ليكمل مقطوعته (أطلس الغيوم). يحاول صديقه السابق "روفوز سكسميث" البحث عنه، وعندما يعثر على الفندق الذي يقيم به، يصل متأخرا، ليجد فوربيشير قد أنتحر مستخدما المسدس الذي جرح به الموسيقار فيفان أيرس. نجد أن تاريخ ميلاد روبرت فوربيشير مكتوب على جسمه أسفل ظهرة مثله مثل القاضي "أدم إيونج"، الذي يظهر الفيلم كتاب قصة حياته في غرفة فوربيشير عندما عثور صديقه عليه منتحرا.

مغامرات لويزا راي
تدور الأحداث في سان فرانسيسكو عام 1973، حيث "لويزا راي" إحدى الصحفيات، التي تلتقي "روفوز سيكسميث" (صديق روبرت فوربيشير في القصة السابقة)، والذي أصبح عالم في الفيزياء النووية. يخبر سيكسميث الصحفية لويزا راي، بان هناك خلل خطير في المفاعل النووي الذي يديره المدعو" لويد هوكس". قبل أن يجلب سيكسميث المستندات التي تثبت اتهاماته، يتم قتله من قبل قاتل أجير يدعى "بيل سموك" تم أرساله من قبل مدير المفاعل النووي "لويد هوكس". ينجح زميل للعالم سيكسميث في إيصال المستندات للصحفية لويزا راي، ولكنه يقتل بدوره من قبل القاتل الأجير "بيل سموك"، الذي يتبع الصحفية من بعد استلامها للمستندات، ويصدم سيارتها ليلقيها من أعلي منحدر للهاوية. تنجو الصحفية راي من الحادث ولكنها تفقد المستندات التي تحوي الدليل على خطورة مخالفات المفاعل النووي لشروط السلامة. بعد تخطيها محاولة جديدة لاغتيالها، تكتشف الصحفية لويزا راي أنها كانت ضحية مؤامرة قامت بها احتكارات البترول، الغرض منها الإساءة لاستخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء، من أجل السيطرة على سوق الطاقة. تعثر الصحفية راي على أخر خطاب كتبه "روبرت فوربيشير" لصديقه "سيكسسميث" قبل أن يقدم على الانتحار، كما تعثر على أسطوانة قديمة مسجل عليه مقطوعة "أطلس الغيوم". يبرز الفيلم في مشهد تاريخ ميلاد الصحفية وهو مسجل على كتفها، مثلها مثل أبطال القصص السابقة. 

مغامرة تيمثوي كافينديش
تدور الأحداث في المملكة المتحدة في عام 2012، حيث يشهد الناشر تيموثي كافينديش نجاحا ماليا كبيرا عندما تشهد مبيعات كتاب نشره رواجا كبيرا، بعد أن يلقى مؤلف الكتاب نفسه من الشرفة، أثناء الاحتفال الخاص بصدور كتابه، ليموت في التو واللحظة. لكن دائنين الناشر تيموثي كافينديتش يستولون على كل مكاسبه، ويطالبه أخو الكاتب المنتحر بمبلغ 50 ألف جنيه إسترليني، حقه في أرث أخيه. لا يملك تيموثي المبلغ، ويطلب مساعدة أخيه "دينهولم"، وحتى يتم توفير المبلغ المطلوب، يطلب "دينهولم" من أخيه تيموثي، الاختباء في نزل بعيد في الريف هربا من أخو الكاتب المنتحر، الذي يملك حكم قضائي بالدين على تيموثي. يذهيب تيموثى للنزل الريفي، حيث نكتشف أنه ليس سوى بيت الموسيقار" فيفان إيرس" الذي ظهر في قصة "روبرت فوربيشير"، والذي تحول إلى منزل للعجائز والمسنين. المنزل مغلق على نزلائه ولا يتاح لهم مغادرته، ولا الحركة فيه بحرية، فهو كسجن منعزل في منطقة ريفية نائية. يكتشف تيموثي أن بيت المسنين هذا ملك أخيه، وانه أرسله إلى هناك من أجل الانتقام منه، وذلك لأن زوجة أخيه "دينهولم" كانت تعشقه، ولكن "دينهولم" تزوجها هو، وبالتالي هو يغار منه أشد الغيرة. ينجح تيموثي في الهروب من بيت المسنين، ويعود ليحيا من زوجة أخيه، التي انفصلت عنه لتعود لحبها الأول، ويبدأ في كتابة مذكراته. يقرأ تيموثي كتاب مذكرات الصحفية "لويزا راي" ونكتشف أن تاريخ ميلاده مسجل على فخذه اليمين.

حكاية سونومي – 451
نحن في كوريا عام 2144، حيث تهيمن على المجتمع مجموعة إنتاجية للمستهلكين تابعة للمنظمة الحاكمة في المجتمع، والتي يطلق عليها "الطائفة البيروقراطية"، التي تفرض على المجتمع إيديولوجية يطلق عليها "بالأجماع". هذا المجتمع المتقدم تكنولوجيا يقوم باستنساخ البشر للقيام بالمهام والأعمال، أي أننا أمام جيش من العمال المستنسخين. بطلة القصة هي أحد أفراد مجتمع المستنسخين، يطلق عليها "سونومي 451"، وتعمل في كافيتريا يطلق عليها " بابا سونج". تلتقي سونومي مع أحد أفراد تنظيم ثوري مناوئ للحكم الشمولي في البلاد المعروف باسم (اتحاد الثوريين)، يسمى "هاي جوي شانج"، والذي يقوم بتعليم سونومي مبادئ التنظيم الثورية، ويوضح لها مساوئ هذا المجتمع الشمولي الذي يعيشان به. يتم تعقبهم بواسطة البوليس السياسي، إلى أن يتم اكتشاف المقر العام لهذا التنظيم ومدهامته، ليقتل "هاي جوي شانج" ويقبض على سونومي بعد معركة دموية. يتم التحقيق مع سونومي من قبل محقق وأحد الأفراد الذين يشرفون على تسجيل التحقيقات، فتلقى سونومي خطبة عصماء حول الأمل، تقول فيها أن الأمور كلها مرتبطة ومؤثرة في بعضها البعض، وأن أفعالنا هي نتاج ما فعله من قبلنا السابقون، وأن ما يحدث ليس سوى تراكم سوف يؤثر في المستقبل. وهنا يلقى عليها المحقق سؤال هام، حين يسألها ما أذا كانت لا تخاف من أن كلامها ومعتقدتها سوف تنتهي بنهايتها، وأنها لن تؤثر في أي شخص في الحاضر أو المستقبل؟ فيكون ردها عليه حاسم، حين تقول أنها تعتقد أن هناك من بدأ يؤمن بما تقول من الآن، في أشاره إلي الكاتب مسجل الجلسة الذي، يبدو عليه التأثر بما تقول سونومي. وبالفعل بعد اعدام سونومي بتهمة الخيانة العظمي يقوم مسجل التحقيق بتسريب خطابها الشهير لنجده يبث في التليفزيونات والإذاعات عبر العالم، بل ويتم الاستماع في كواكب خارجية، لتتحول سونومي إلي رمز من رموز مناهضة الظلم والقمع للأجيال القادمة. تشاهد سونومي فيلم عن حياة "تيموثي كافنديتش"، ونجد عند كسر العقد الإليكتروني الملفوف حول رقابتها (ليرشد على مكانها) رقم لا يدل على تاريخ ميلادها، ولكن يدل على رقمها في سلسلة المستنسخين(451). 
مغامرات زاشاري
           
نحن في القرن الرابع بعد الألفية الثانية، حيث تعرض كوكب الأرض لكوارث طبيعية جعلته يدخل من جديد في عصور ما قبل التاريخ، "زاشاري" يعيش وسط قبيلة بدائية، وبعاني من هلاوس نفسية تجعله يعتقد أنه واقع تحت سيطرة الشيطان الذي يطلق عليه " جورجي العجوز". تقاوم قبيلة "زاشاري" الهجمات التي يتعرضون لها من قبيلة "مونا"، قبيلة من أكلة لحوم البشر. يأتي إلى المنطقة زوار من قاطني أحد المجرات، أتو لكوكب الأرض في اجهزتهم الحديثة بغرض دراسة تلك المخلوقات التي تعيش عوالم ما قبل التاريخ، "ميرونيم" إحدى القادمات من الفضاء الخارجي تبحث عن المصدر الذي كان رجال المقاومة يرسلون منه رسائل المناضلة "سونومي" للفضاء الخارجية. تقنع "ميرونيم" "زشاري" وأبنة أخيه الصغيرة باصطحابها إلى قمة الجبل الذي يعتبره أجداد القبيلة من المقدسات للمعبودة "سونومي"، التي تحولت إلي معبودة لقبيلة "زاشاري"، لنكتشف أن هناك مقر ومركز المقاومة موجود على قمة الجبل حيث توجد بداخله أجهزة تبث خطاب "سونومي" الأخير في التحقيقات. ترسل "ميرونيم" رسالة للكوكب الذي أتت منه تعلمهم بعطب سفينتهم وتطلب منهم النجدة والهبوط على كوكب الأرض من أجل أعادتهم لكوكبهم. عند العودة من قمة الجبل يكتشف زاشاري مقتل جميع أفراد قبيلته على أيدي أكلة لحوم البشر، فيأخذ بنت أخيه ويهرب مع "ميرونيم" على السفينة الفضائية. ينتقل ميرونيم وزاشاري للكوكب الجديد ويتزوجون ويرزقون بأولاد وأحفاد. في نهاية الفيلم نكتشف تاريخ ميلاد زاشاري مكتوب على خلفية رأسه.
الفيلم يتتبع الأفكار المحررة للبشرية التي تسير بالتوازي مع تدهور الوضع الإنساني، فمع التقدم التكنولوجي يزداد القمع والتنميط وتنعدم حرية الاختلاف، حيث تجسد المستنسخة سونومي الفكرة الرافضة لتحول النفس البشرية لشيء، لمنتج، ولكنها تعدم وتتحول لفكرة تنتقل عبر الزمن. فمنذ أن كان تحرير العبيد مجرد فكرة إلى مقاومة الفساد وتخريب البيئة (مع مغامرات لويزا راي) وتأثير الفراشة يعمل بفاعلية، مرورا بقمع حقوق المثليين (موضوع شديد الأهمية في المجتمع الغربي)، كل ذلك يحاول الفيلم/الرواية الإشارة له، بل وحتى تخلص المجتمعات المتقدمة من عجائزها عبر سجنهم في بيوت للعجزة هي في الحقيقة معتقلات حديثة، أو مقالب للنفيات من العجزة.
قد لا يؤدي تأثير الفراشة الذي تمارسه الأفكار والمواقف من وقف توحش البشرية وتدميرها لواسطها البيئي، وقد لا يستطيع وقف قضائها على كل الإنجازات التي أحرزتها الإنسانية في مجال الحريات والديموقراطية، التي تتلاشي مع أنظمة "تشييء" البشر واستعبادهم بالوسائل الحديثة من أجل الربح والمزيد من الربح، بل قد يقضي هذا التوحش على الكوكب نفسه الذي تحيا عليه تلك المجموعات المدمرة، مستغلة أغلبية قاطنيه لصالح فئة قليلة تحتكر القوة والثروة. لكن لا يملك حاملي الأفكار ومتخذي المواقف من أمل سوى أن تكون أفكارهم ومواقفهم مؤثرة فيمن يأتي من بعدهم، ويحاول الفيلم أن يقول لهم أن تأثير الفرشة موجود، وأن ما ضحوا من أجله مؤثر عبر الزمن.








     




Wednesday, December 2, 2015

عفارم مهرجان القاهرة, كلنا يا عزيزي أبشع من البشاعة


ضياء حسني

كل منا يحمل تفافة خاصة به، تأتي من مصادر متعددة، أهما رصيده المعرفي الذي تشكله العديد من العوامل والمؤثرات، الغالبية منا لديهم نظرة نقدية للأخر، ذلك الآخر الذي يختلف عنا سواء في جنسه أو لونه، أو عقيدته الدينية، أو انتمائه العرقي. فالغالبية منا يعلون من شأن الزمرة التي ينتمون إليها؛ سواء كانت دينية أو عرقية أو قومية، بل أن الآمور تصل إلى حد أن هناك من يعطي لنفسه أحقية في التميز والأعلاء من شأن زمرته والحط من شأن الأخرين، ويجد في هذا مبررا لاضطهاد الأخرين وقمعهم، بل وقد يصل الأمر لقتلهم. ولا تنقصنا المبررات والدوافع التي نرتكز عليها في قمع المختلف عنا، سواء كانت تلك المبررات دينية أو عرقية أو حتى ثقافية. كل هذا ونحن نشكو ونملئ الدنيا صراخ عن ظلم الآخرين وحشيتهم ودمويتهم، في حين أننا لا نقل عنهم وحشية ولا دموية، ولكننا لا ندرك ذلك، بل قد نعتقد أن تلك الوحشية والدموية هي إنقاذ للبشرية أو تقرب إلي ألله.
هذا ما يحاول ان يقوله لنا المخرج الروماني "رادو جود" مع تحفته السينمائية "عفارم" التي فاز عنها بجائزة الدب الفضي في الاخراج السينمائي من مهرجان برلين السينما في دورته ال 65 والتي عقدت في 2015. الفيلم أبيض واسود وتدور احداثه في النصف الأول من القرن التاسع عشر في رومانيا التي مرت بالعديد من المحن وتعرضت للغزو الخارجي من قبل روسيا القيصرية تارة، وأتراك الإمبراطورية العثمانية تارة أخرى. وقد أتاح لنا مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الأخيرة مشاهدته تلك التحفة السينمائية، يستغل الفيلم قصة بسيطة عن رجل شرطة محلى يعاونه أبنه في العثور على عبد من "الغجر" هارب من سيدة وأعادته لطوع سيده الاقطاعي الكبير مقابل الحصول على مكافأة كبيرة، ليقدم لنا من خلال تلك القصة لوحة عامة عن الثقافة الرومانية في ذلك العصر عبر استعراض الظروف الاجتماعية والسياسية للمجتمع الروماني، والتي نكتشف أنها لا تختلف كثيرا عن الثقافة الحالية، ليس في رومانية فقط ولكن في معظم دول العالم ومعظم الثقافات، وان اختلفت الشروط الحضارية عن ذلك العصر القديم، فحدت من الكثير من الممارسات القديمة، لكن الأفكار مازالت موجودة ومتوارثة جيل من بعد جيل.
الفيلم بسلك مسار أفلام "الوسترن" الأمريكية من حيث امتطاء الابطال لظهور احصنتهم طوال الفيلم، مع استخدام اللقطات الواسعة طوال الفيلم والبعد عن اللقطات المقربة، والاكثار من اللقطات المعروفة باسم "الأمريكية" والتي تقع في مرتبة متوسطة بين اللقطة المتوسطة واللقطة الواسعة. وهو في نفس الوقت من أفلام "الطريق" التي تدور معظم أحداثها في مسار رحلة يقوم بها أبطال الفيلم، وخلال تلك الرحلة يحاول الأب، رجل الشرطة، أن ينقل لأبنه خبرته عن الحياة ويعده بمستقبل باهر سيتحقق من خلال التحاقه بالجيش وتحوله لرجل عسكري. وعبر عمليه نقل الخبرات تلك من الأب للأبن يُكشف عن عنصرية وفاشية أفكار تلك المرحلة التاريخية، التي قال لنا الفيلم في نهايته أنها نقلت من كتب التراث المعاصرة لتلك الفترة. فنجده يسب الروس والأتراك بسبب وحشية ودموية معاملتهم مع الرومان. لكن المشاهد المحورية في الفيلم والمفتاح لكل ما يحاول الفيلم توصيله، هي مشاهد رجل دين يقابلوه في طريقهم ويساعدوه في اصلاح عربته المعطلة، فيعطي لهم محاضرة، مغلفة بالطبع بتفسيرات دينية عن طبيعة كل الشعوب من العرب والترك والفرنسين والإنجليز وكذلك اليهود، وغيرهم، في خطاب عنصري واضح عن سمات كل شعب. كما يعطي لهم تفسير ديني عن سبب احتقار شعب "الغجر" ومشروعية اضطهادهم، وذلك من خلال وصفه لهم بأنهم أتوا لأوربا هربا من مصر، وبالتالي فهم قوم فرعون الذين اضطهدوا بني إسرائيل، لذا فوجب عليهم الذل والمهانة. لنكتشف بعد ذلك أن الرومان كانوا يتاجرون في الغجر في سوق العبيد، وعندما يجد الشرطي العبد الهارب من سيده يعثر معه على طفل غجري صغير يصطحبه معهما لسوق النخاسة، ليبيعه كالحيوانات لأحد السادة، ويحتفل بالمكسب من خلال مضاجعة غانية غجرية يعاشرها هو وابنه. أما العبد المقبوض عليه، فيعلمنا أن سبب هروبه جاء لأنه ضاجع زوجة سيده من بعد ان اغرته، ليقوم السيد بأخصائه عقابا له على ذلك عند تسلمه، وكأنه أحد الباشوات الأتراك الذين يسبهم الفيلم في خطاب عنصري. وعندما يحاول الشرطي اقناع السيد بعدم فعل هذا الفعل الشائن للعبد الغجري يكون نصيبه الإهانة والضرب. وفي النهاية يخفف الشرطي من هول الصدمة على أبنه بقوله بأن المستقبل سيكون أفضل بعد انضمامه للجيش وتحوله لضابط، ولكننا نعلم بالطبع أن المستقبل سيكون أكثر مأسويا على رومانيا والعالم مع مجازر الحربين العالمتين وسيادة الفاشية والعنصرية، ومأساة الاستعباد والاستعمار التي مازالت تسود حتى اليوم في عالمنا المتحضر اعتمادا على مفاهيم جديدة ولكنها في جوهرها هي نفس المفاهيم القديمة. الشرطي بطل فيلم "عفارم" ليس ألا دون كيشوت معكوس؛ حيث كان الأول يبحث عن مفاهيم فروسية الماضي الذي توهم بوجودها في واقع متغير، أما شرطي عفارم فهو يشارك في دنس الحاضر أملاً في مستقبل أفضل، لكنه كان واهما مثل دون كيخوت. في النهاية لا يسعنا سوى أن نوجه تحية لمهرجان القاهرة السينمائي لأتاحته لنا فرصة مشاهدة هذا العمل الرائع، ونقول له "عفارم".                









Thursday, July 23, 2015

عمر الشريف: عاش غريبا ومات وحيدا


ضياء حسني

جاء خبر وفاة عمر الشريف صدمة لجميع محبيه، لتقطع تليفزيونات وإذاعات العالم البث معلنا الخبر على مشاهديها. لقد كان عمر الشريف أحد الرموز في تاريخ السينما، فقد كانت السينما تقدم رمز البطل "العاشق " عبر الأجيال لحاجة الجمهور لهذا النموذج؛ فكان هناك "رودولف فالنتينو" النموذج الأمريكي، و"موريس شفاليه"، ومن بعده "الآن ديلون" النموذجان الفرنسيان، و"مارشيلو ماستروياني"   النموذج اللاتيني، وجاء عمر الشريف ليكون النموذج الشرقي. منذ قدومه من بعيد في قلب الصحراء على هيئة سراب، في المشهد الشهير في فيلم "لورانس العرب" من اخرج ديفيد لين، لم يكف على غزو قلوب مشاهدي السينما في العالم. بدأ عمر الشريف السينما بضجة كبرى وقصة زواج ظلت تجذب أقلام المتعايشين على الكتابة عن الفن، وعاش حياة صاخبة ظلت تجذب صحف أخبار النجوم إليه (علاقاته – مقامراته – مغامراته). لم تعرف السينما المصرية فتي شاشة (بطل الفيلم) في تاريخها يجمع بين شهرته ونجوميته، وبين قدرته العالية في الأداء، فلا أنور وجدي ولا حسين صدقي ولا محسن سرحان ولا شكري سرحان ولا عماد حمدي ولا كمال الشناوي ولا أحمد مظهر ولا رمزي، كانوا ممثلين سينما كبار، وكان أحسنهم يؤدي أداء مسرحي مفتعل لا علاقة له بالسينما الحقيقية. وحتى اللذين أثبتوا بعد ذلك قدرتهم التمثيلية العالية (فريد شوقي – كمال الشناوي – يوسف وهبي) تم لهم ذلك بعد تركهم أدوار البطولة. فقد كانت السينما المصرية تحصر كبار ممثليها ذوي القدرات الخارقة في أداء للدور الثاني في افلامها، (زكي رستم، صلاح منصور، حسين رياض، محمود المليجي، توفيق الدقن .... ألخ). لم يخرج عن تلك القاعدة سوى عمر الشريف، وأخر طالما أحبه عمر وقال إنه أهم ممثل في تاريخ السينما المصرية، ويتفوق عليه هو شخصيا، وانه لوكان يعرف الإنجليزية لكان صعد للعالمية سريعا، أنه الراحل أحمد زكي. بدأ عمر الشريف ضعيف الأداء مفتعل، ذو صوت نشاز لا يصلح لأن يكون صاحبه نجم سينمائي، ولكنه طور نفسه وتألق مع شاهين في شخصية رجب في (صراع الوادي)، وكان رمزا للوطنية لكل الشباب المصري مع شخصية إبراهيم حمدي (في بيتنا رجل) للعظيم بركات، وحتى في الكوميديا مع يوسف وهبي تألق في (إشاعة حب) مع عبقري الكوميديا فطين عبد الوهاب. كان عمر الشريف هو الممثل المصري الوحيد الذي كان يمتلك القدرة في التحكم في خلجات وجهه للتعبير عن حالته النفسية، وكان يستخدم ذلك في التعبير السينمائي، ليكون بذلك أول ممثل سينمائي حقيقي في السينما المصرية. لقد كان النصف الأعلى من وجه عمر الشريف هو راس ماله، فعبر عيناه وجبهته يمكنه التعبير عن الحزن والفرح والعشق، وهو ما جعله ينفذ لقلوب عشاقه سريعا ويستقر داخلها. حصل عمر الشريف على مجموعة من الجوائز لم يحصل عليها أي ممثل في تاريخ السينما المصرية والعربية، 2 جولدن جلوب، وسيزار فرنسي، وأسد فينسيا عن مشواره الفني، ورشح للأوسكار ولكنه لم يحصل عليه.
لم يتخلى عمر الشريف يوما عن مصريته، رافضا كل المحاولات لقناعه بالحصول على جواز سفر غير جوازه المصري، ساعد مصر في كل الظروف بدأ من وساطة السادات مع مناحم بيجن رئيس وزراء إسرائيل التي من خلالها أطمئن السادات على حفل استقباله في زيارته التاريخية لتل ابيب، مرورا لبهجته لوصول مصر لكاس العالم 1990، وترويجه لمحاولة استضافة مصر لتلك البطولة، لم يتأخر عمر يوما عن إعلانه عن حب لتلك البلد وشعبها، وأيده في ثورة 25 يناير. لقد كان عمر يقول دائما أنه الممثل الوحيد في العالم الذي يعامل كغريب في كل بلدان العالم، وها هو يموت وحيدا في مصر التي أحبها، ليجد من يسأل عن ديانته التي مات عليها ناسيا انه الآن بين يدي القاهر الجبار الذي سيحاسبنا، ولا حاجة له بعد اليوم لأي متنطع يضع نفسه في مصف المانح أو المانع لصكوك غفران. وداعا عمر، وداعا إبراهيم حمدي، وحسين، ورجب صراع في الوادي، والشريف على لورانس العرب، وجيفارا، ودكتور زيفاجو، وستبقى عملاقا في قلب تاريخ الفن السابع حتى لو كره المتنطعون، فقد جاء موتك مع نهاية مصر أخرى كانت مفتوحة على العالم وثقافاته، لتحل محلها مصر مسجونة داخل قوقعة كراهية وصدفة عدوانية لكل مختلف، يسميها البعض "الهوية" وهي ليست ألا " الهاوية"، يخرجنا عز وجل منها على خير.